شارع ابن خلدون

الاسم

عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي

اسم الشهرة

ابن خلدون

مولده ونشأته:

هو “عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي”، ولد بتونس في 27 مايو 1332م؛ فحفظ القرآن الكريم في وقت مبكر من طفولته، وقد كان والده هو معلمه الأول، كما درس على كبار علماء عصره علوم التفسير والحديث والفقه المالكي، والأصول والتوحيد، كما درس علوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة وأدب، ودرس كذلك علوم المنطق والفلسفة والطبيعة والرياضيات، وكان في جميع تلك العلوم مثار إعجاب أساتذته وشيوخه.

وكان أكثر أساتذته تأثيرًا في فكره وثقافته “محمد بن عبد المهيمن الحضرمي”، إمام المحدثين والنحاة في المغرب، و”محمد بن إبراهيم الآبلي”، الذي أخذ عنه علوم الفلسفة والمنطق والطبيعة والرياضيات.

وعندما حدث وباء الطاعون في عام 1348م، كان لهذا الحادث أثر كبير في حياة ابن خلدون؛ فقد قضى على أبويه كما قضى على كثير من شيوخه الذين كان يتلقى عنهم العلم في تونس، أما من نجا منهم فقد هاجر إلى المغرب الأقصى سنة 1349م، فلم يعد هناك أحد يتلقى عنه العلم أو يتابع معه دراسته.

حياته العملية ومناصبه:

بعد أن نال ابن خلدون قسطًا كبيرًا من العلم اتجه إلى الوظائف العامة، وبدأ يسلك الطريق الذي سلكه أجداده من قبل، والتحق بوظيفة كتابية في بلاط “بني مرين”، ولكنها لم تكن لترضي طموحه، وعينه السلطان “أبو عنان”، ملك المغرب الأقصى، عضوًا في مجلسه العلمي بفاس، فأتيح له أن يعاود الدرس على أعلامها من العلماء والأدباء الذين نزحوا إليها من تونس والأندلس وبلاد المغرب.

ولكن سرعان ما انقلبت الأحوال بابن خلدون حينما بلغ السلطان أبو عنان أن ابن خلدون قد اتصل بـ”أبي عبد الله محمد الحفصي”، أمير “بجاية” المخلوع، وأنه دبر معه مؤامرة لاسترداد ملكه، فسجنه أبو عنان، وبرغم ما بذله ابن خلدون من شفاعة ورجاء فإن السلطان أعرض عنه، وظل ابن خلدون في سجنه نحو عامين حتى توفي السلطان سنة 1358م.

ولما آل السلطان إلى “أبي سالم أبي الحسن” صار ابن خلدون ذا حظوة ومكانة عظيمة في ديوانه، فولاه السلطان كتابة سره والترسيل عنه، وسعى ابن خلدون إلى تحرير الرسائل من قيود السجع التي كانت سائدة في عصره، كما نظم الكثير من الشعر في تلك المرحلة التي تفتحت فيها شاعريته.

وظل ابن خلدون في تلك الوظيفة لمدة عامين حتى ولاه السلطان أبو سالم “خطة المظالم”، فأظهر فيها من العدل والكفاية ما جعل شأنه يعظم، مما أثار عليه حقد كثير من أقرانه ومعاصريه ما بلغه من شهرة ومكانة، وسعوا بالوشاية بينه وبين السلطان حتى تغير عليه.

فلما ثار رجال الدولة على السلطان أبي سالم وخلعوه، وولوا مكانه أخاه “تاشفين” بادر ابن خلدون إلى الانضمام إليه، فأقره على وظائفه وزاد له في رواتبه، ولكن طموح ابن خلدون كان أكبر من تلك الوظائف؛ فقرر السفر إلى “غرناطة” بالأندلس في سنة 1362م.

رحلة ابن خلدون إلى الأندلس:

وفي غرناطة لقي ابن خلدون قدرًا كبيرًا من الحفاوة والتكريم من السلطان “محمد بن يوسف بن الأحمر”، سلطان غرناطة، ووزيره “لسان الدين بن الخطيب”، الذي كانت تربطه به صداقة قديمة، وكلفة السلطان بالسفارة بينه وبين ملك “قشتالة” لعقد الصلح بينهما، وقد أدى ابن خلدون مهمته بنجاح كبير، فكافأه السلطان على حسن سفارته بإقطاعه أرضًا كبيرة، ومنحه كثيرًا من الأموال، فصار في رغد من العيش في كنف سلطان غرناطة.

ولكن لم تدم سعادة ابن خلدون طويلا بهذا النعيم، إذ لاحقته وشايات الحاسدين والأعداء، حتى أفسدوا ما بينه وبين الوزير ابن الخطيب، الذي سعى به بدوره لدى السلطان، وعندئذ أدرك ابن خلدون أنه لم يعد له مقام بغرناطة بل والأندلس كلها.

عودته إلى بلاد المغرب:

وفي تلك الأثناء أرسل إليه أبو عبد الله محمد الحفصي، أمير بجاية، الذي استطاع أن يسترد عرشه، يدعوه إلى القدوم إليه، ويعرض عليه أن يوليه الحجابة وفاء لعهده القديم له، فغادر ابن خلدون الأندلس إلى بجاية فوصلها في منتصف عام 1365م، فاستقبله أميرها، وأهلها استقبالًا حافلًا.

وظل ابن خلدون في رغد من العيش وسعة من الرزق والسلطان حتى اجتاح “أبو العباس أحمد”، صاحب “قسنطينة”، مملكة ابن عمه الأمير أبي عبد الله وقتله واستولى على البلاد، فأقر ابن خلدون في منصب الحجابة حينًا، ثم لم يلبث أن عزله منها.

فعرض عليه الأمير “أبو حَمو”، سلطان تلمسان، منصب الحجابة على أن يساعده في الاستيلاء على بجاية بتأليب القبائل واستمالتها إليه؛ لما يعلمه من نفوذه وتأثيره، ولكن ابن خلدون اعتذر عن قبول الوظيفة، وعرض أن يرسل أخاه يحيى بدلًا منه، إلا أنه استجاب إلى ما طلبه منه من حشد القبائل واستمالتها إليه.

ولكن الأمور انتهت بهزيمة أبي حمو وفراره، وعاد ابن خلدون إلى الفرار من جديد بعد أن صار مطاردًا من كل حلفائه.

ترك ابن خلدون أسرته بفاس ورحل إلى الأندلس من جديد، فنزل في ضيافة سلطانها “ابن الأحمر” حينًا، ثم عاد إلى المغرب مرة أخرى، وقد عقد العزم على أن يترك شئون السياسة، ويتفرغ للقراءة والتصنيف.

واتجه ابن خلدون بأسرته إلى أصدقائه من “بني عريف”، فأنزلوه بأحد قصورهم في “قلعة ابن سلامة”، بمقاطعة “وهران” بالجزائر، وقضى “بن خلدون مع أهله في ذلك المكان القصي نحو أربعة أعوام، نعم خلالها بالهدوء والاستقرار، وتمكن من تصنيف كتابه المعروف (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)، والذي صدره بمقدمته الشهيرة التي تناولت شئون الاجتماع الإنساني وقوانينه، وقد فرغ ابن خلدون من تأليفه وهو في نحو الخامسة والأربعين بعد أن نضجت خبراته، واتسعت معارفه ومشاهداته.

ارتحال ابن خلدون إلى مصر:

بعد أن قضى مدة في الأندلس عاد ابن خلدون مرة أخرى إلى تونس، وظل عاكفًا على البحث والدراسة حتى أتم تنقيح كتابه وتهذيبه، وخشي ابن خلدون أن يزج به السلطان إلى ميدان السياسة الذي قرر الابتعاد عنه، فعزم على مغادرة تونس، ووجد في رحلة الحج ذريعة مناسبة يتوسل بها إلى السلطان ليخلي سبيله، ويأذن له في الرحيل.

وصل ابن خلدون إلى الإسكندرية في ديسمبر 1382م، فأقام بها شهرًا ليستعد لرحلة السفر إلى “مكة”، ثم توجه إلى “القاهرة”، فأخذته تلك المدينة الساحرة بكل ما فيها من مظاهر الحضارة والعمران، وقد وصف ابن خلدون وقعها في نفسه وصفا رائعًا.

وقد لقي ابن خلدون الحفاوة والتكريم من أهل القاهرة وعلمائها، والتف حوله طلاب العلم ينهلون من علمه، فاتخذ ابن خلدون من الأزهر مدرسة يلتقي فيها بتلاميذه ومريديه، وقد أخذ عنه العلم عدد كبير من الأعلام والعلماء، منهم “تقي الدين المقريزي”، و”ابن حجر العسقلاني”.

ولقي ابن خلدون تقدير واحترام السلطان المملوكي “الظاهر برقوق”، الذي عينه لتدريس الفقه المالكي بمدرسة “القمحية”، كما ولاه منصب قاضي قضاة المالكية، فلم يدخر ابن خلدون وسعًا في إصلاح ما لحق بالقضاء في ذلك العهد من فساد واضطراب، وقد أبدى صرامة وعدلًا شهد له بهما كثير من المؤرخين، وكان حريصًا على المساواة، متوخيًا للدقة، عازفًا عن المحاباة.

وقد جلب له ذلك عداء الكثيرين فضلا عن حساده الذين أثارتهم حظوته ومكانته لدى السلطان، وإقبال طلاب العلم عليه، ولم يبد ابن خلدون مقاومة لسعي الساعين ضده؛ فقد زهدت نفسه في المناصب خاصة بعد أن فقد زوجته وأولاده وأمواله، حينما غرقت بهم السفينة التي كانت تقلهم من تونس إلى مصر بالقرب من الإسكندرية، وقبل أن يصلوا إليها بمسافة قصيرة.

وترك ابن خلدون منصبه القضائي سنة 1385م بعد عام واحد من ولايته له، وما لبث السلطان أن عينه أستاذًا للفقه المالكي بالمدرسة “الظاهرية البرقوقية” بعد افتتاحها سنة 1386م.

ولكن وشايات الوشاة ومكائدهم لاحقته حتى عزله السلطان، واستأذن ابن خلدون في السفر إلى فلسطين لزيارة بيت المقدس، وقد بجل ابن خلدون رحلته هذه ووصفها وصفًا دقيقًا في كتابه (التعريف بابن خلدون ورحلاته شرقًا وغربًا).

ابن خلدون يقابل تيمورلنك:

تعد مقابلة ابن خلدون مع القائد التتري المعروف باسم “تيمور لنك” في مدينة دمشق، مـن أكثـر مراحل حياته إثارة، حيث تُظهر هذه الحادثة خبرة ابن خلدون في أساليب التعامل مع الحكام، واستخدام الدبلوماسية للوصول إلى الغاية، إذ يظهر ذلك عندما قرر ابن خلدون الذي كان موجودًا في دمشق أثناء حصار تيمور لنك لها عام 803هـ الوصول إليه راجيًا إياه بألّا يستبيح دمشق وأهلها، وألّا يقوم بتدميرها، فتدلى بحبل إلى أن خرج من أسوارها ووصل إلى تيمور لنك، واستخدم ما يعرفه عن هذا القائد من معلومات تشير إلى إيمانه الشديد بعلوم التنجيم والطب، إذ عُرف عنهم ملازمته له لاعتماده الكبير عليهم واستشارتهم في كل ما يقوم به من أمور وما يتّخذه من قرارات، مما دفع ابن خلدون للاعتماد على معرفته بالمنجم والطبيب اليهودي المشهور “إبراهيم ابن زرزر” للتأثير على تيمور لنك، حيث أخبره بأنّ ابن زرزر كان قد تنبأ بظهور تيمور لنك قبل عشرين عامًا، وتنبأ له بأنه سيصبح ذا شأن عظيم، بالإضافة إلى ما استخدمه ابن خلدون من رصانة في الأسلوب ومنطق في الكلام لإقناعه بأنّه كان يتمنى أن يحظى بلقائه منذ أربعين سنة، فأُعجب تيمور لنك بكلام ابن خلدون وطلب منه البقاء، إلا أنّ ابن خلدون الذي لم يرفض طلبه هذا استأذنه للسفر لإحضار أهله وكتبه فسمح له بذلك، فغادر ابن خلدون إلى مصر بأعجوبة.

عودة ابن خلدون إلى القضاء:

وعندما عاد ابن خلدون إلى مصر سعى لاسترداد منصب قاضي القضاة، حتى نجح في مسعاه، ثم عزل منه بعد عام في فبراير 1402م، ولكنه عاد ليتولاه مرة أخرى في يناير 1402م.

ابن خلدون وعلم الاجتماع:

يعد ابن خلدون المنشئ الأول لعلم الاجتماع، وتشهد مقدمته الشهيرة بريادته لهذا العلم، فقد عالج فيها ما يطلق عليه الآن “المظاهر الاجتماعية”، أو ما أطلق عليه هو “واقعات العمران البشري”، أو “أحوال الاجتماعي الإنساني”.

وقد اعتمد ابن خلدون في بحوثه على ملاحظة ظواهر الاجتماع في الشعوب التي أتيح له الاحتكاك بها، والحياة بين أهلها، وتعقب تلك الظواهر في تاريخ هذه الشعوب نفسها في العصور السابقة.

ابن خلدون وعلم التاريخ:

تبدو أصالة ابن خلدون وتجديده في علم التاريخ واضحة في كتابه الضخم (العبر وديوان المبتدأ والخبر)، وتتجلى فيه منهجيته العلمية وعقليته الناقدة والواعية، حيث إنه يستقرئ الأحداث التاريخية، بطريقة عقلية علمية، فيحققها ويستبعد منها ما يتبين له اختلاقه أو تهافته.

أما التجديد الذي اتبعه ابن خلدون فكان في تنظيم مؤلفه وفق منهج جديد يختلف كثيرًا عن الكتابات التاريخية التي سبقته، فهو لم ينسج على منوالها مرتبًا الأحداث والوقائع وفق السنين على تباعد الأقطار والبلدان، وإنما اتخذ نظامًا جديدًا أكثر دقة، فقد قسم مصنفه إلى عدة كتب، وجعل كل كتاب في عدة فصول متصلة، وتناول تاريخ كل دولة على حدة بشكل متكامل، وهو يتميز عن بعض المؤرخين الذين سبقوه إلى هذا المنهج بالوضوح والدقة في الترتيب والتبويب والبراعة في التنسيق والتنظيم والربط بين الأحداث.

وفاته:

توفي ابن خلدون في عام 1406م، عن عمر بلغ ستة وسبعين عامًا، وهو في منصب قاضي القضاة. وتم دفنه في مقابر الصوفية عند باب النصر شمال القاهرة.

البوم الصور

موقع اللوحة بالشارع

المصادر والمراجع

  • علي عبد الواحد وافي، عبد الرحمن بن خلدون: حياته وآثاره ومظاهر عبقريته، سلسلة أعلام العرب 4، القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، (د.ت).
  • محمد الجوهري ومحسن يوسف، ابن خلدون إنجاز فكري متجدد، مصر: مكتبة الاسكندرية، 2008.
  • محمد الخضر حسين، حياة ابن خلدون ومُثل من فلسفته الاجتماعية، مؤسسة هنداوي، 2013.
  • منى أبو زيد، الفكر الكلامي عند ابن خلدون، الطبعة الأولى، بيروت: مجد المؤسسة الجامعية للدرسات والنشر والتوزيع، 1997.